
أهم الأخباركتاب
القرصنة البحرية .. الجيوستراتيجية الجديدة.. بقلم: رباب عبيد
القرصنة البحرية .. الجيوستراتيجية الجديدة
بقلم: رباب عبيد
- صحفية -كاتبة في الشأن الدولي والإنساني
انتهت الجولة الأولى والثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، والتي عُقدت يومي 11 و12 أبريل 2026 في إسلام آباد بوساطة باكستانية. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن عن هدنة لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين ابتداءً من الجمعة الماضية.
وعقب الجولتين، لم يتم التوصل إلى اتفاق يُذكر، باستثناء التأكيد على ضرورة البحث عن حلول سياسية سلمية للنقاط الخلافية بين الطرفين. وتشير الصحافة الدولية إلى أن الجولة الثالثة من المفاوضات قد تُعقد يوم الخميس في إسلام آباد.
وقد تمثلت أبرز نقاط الخلاف في ملفات: وقف التخصيب النووي، ومضيق هرمز، ووقف إطلاق النار في لبنان، إضافة إلى مسألة التعويضات، وهي قضايا أعاقت التوصل إلى اتفاق خلال الجولات السابقة.
برز مضيق هرمز كأحد أهم محاور التفاوض، في ظل تصاعد الحديث عن الحصار البحري الأمريكي وتأثيره على ممرات الشحن. ولم يعد المضيق مجرد ممر مائي، بل تحوّل إلى ورقة ضغط استراتيجية ذات أبعاد أمنية واقتصادية وسياسية، نظرًا لتأثيره المباشر على حركة التجارة وأسعار الطاقة.
وتتجه الإدارة الأمريكية إلى استخدام ورقة الحصار البحري بهدف إعادة الملاحة إلى طبيعتها، في حين ترى إيران في ذلك محاولة لتقليص قدراتها وخنق صادراتها النفطية. وفي المقابل، أعلنت طهران فرض رسوم على السفن التي تنقل النفط والغاز من موانئ دول مجلس التعاون الخليجي عبر المضيق، مما قد يؤثر على اقتصادات المنطقة وسلاسل الإمداد.
كما تثير الدعوة الأمريكية إلى إشراك إيران في عوائد مرور السفن عبر المضيق تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة من المفاوضات.
وفي سياق التصعيد، دخل تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حيّز التنفيذ بفرض حصار على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو الخارجة منها، مع التلويح بإجراءات عسكرية ضد أي خرق محتمل، ما يزيد من احتمالات التوتر في المنطقة.
وفيما يتعلق بردود الفعل الإقليمية والدولية، جاء الموقف الخليجي براغماتيًا، حيث عبّرت دول الخليج عن رفضها لتصعيد قد يدفع إيران إلى ردود عسكرية تؤثر على أمنها واستقرارها الاقتصادي، مفضلةً التهدئة والحلول السلمية.
أما الصين، فقد اعتبرت أن الحصار الأمريكي لمضيق هرمز يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوّض المصالح الدولية، داعيةً إلى ضبط النفس والحوار، بالتنسيق مع روسيا.
وفي سياق متصل، برز الملف اللبناني كأحد عناصر التفاوض، حيث سعت إيران إلى ربط وقف إطلاق النار في جنوب لبنان بالمفاوضات الجارية. إلا أن السلطات اللبنانية رفضت هذا الطرح، واتجهت نحو مسار تفاوضي منفصل.
وبالفعل، عُقد لقاء تفاوضي بين لبنان وإسرائيل في 14 أبريل 2026، وهو الأول من نوعه منذ عام 1993، بغطاء سياسي من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وبضغط أمريكي.
وقد تزامنت هذه المفاوضات مع استمرار العمليات العسكرية، خاصة في مناطق الجنوب مثل بنت جبيل، حيث أدت العمليات إلى دمار واسع ونزوح أعداد كبيرة من المدنيين، إضافة إلى استهداف البنية التحتية، ومنها الجسور التي تربط القرى بالمناطق المجاورة.
تشير تقارير إلى طرح خطة إسرائيلية تقضي بتقسيم جنوب لبنان إلى ثلاث مناطق أمنية، مع التركيز على السيطرة على مواقع استراتيجية، بالتوازي مع توسيع العمليات البرية.
ويُفسَّر استهداف الجسور في الجنوب اللبناني برغبة في عزل المنطقة وقطع خطوط الإمداد، ما يبرز الأهمية الاستراتيجية لنهر الليطاني، الذي لا يُنظر إليه كمجرى مائي فحسب، بل كحد فاصل يمكن توظيفه أمنيًا وعسكريًا.
وفي هذا السياق، برزت في الخطاب الإسرائيلي فكرة “السيطرة الأمنية حتى الليطاني”، بما يشير إلى توسيع المنطقة العازلة شمالًا.
وبينما يترقب العالم نتائج المفاوضات الأمريكية الإيرانية واللبنانية الإسرائيلية، تتشكل ملامح واقع جديد تُرسم فيه خرائط النفوذ والتأثير، في ظل تداخل الأدوات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية، بما في ذلك استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل وإدارة الصراعات.
وفي الختام، لم يعد مضيق هرمز ونهر الليطاني مجرد حدود مائية، بل تحوّلا إلى أدوات في صراع الجيوستراتيجية الجديدة، حيث تُفرض المعادلات بالقوة، ويستمر التفاوض تحت وقع التصعيد، في مشهد يعكس إعادة تشكيل خريطة الاقتصاد والسياسة في المنطقة.




