
المعلم يصنع الفارق… بقلم: ريم محمود معروف
المعلم يصنع الفارق
بقلم: ريم محمود معروف
باحثة أدبية ومعلمة لغة عربية
تضم الفصول الدراسية في المرحلة الابتدائية عوالم متباينة من القدرات والاحتياجات. هنا، يقف المعلم كصانع ماهر يبني جسوراً مخصصة لتصل إلى قلب وعقل كل طفل. وتبرز في هذه المرحلة التأسيسية الحرجة أهمية التمايز التعليمي؛ حيث تتنوع الاستراتيجيات وفقاً للخصائص النمائية للطلاب حتى وإن كان الهدف التعليمي واحداً كتعلم حرف (ج) كتابة ونطقاً. فالطالب الطبيعي (سليم النمو) يعتمد المعلم معه أسلوب النمذجة المباشرة والربط الذهني السريع، بحيث يختلف عن الطالب الذي يعاني من صعوبات في القراءة والكتابة والذي يحتاج إلى أدوات تختلف تماماً في جوهرها عن تلك التي تدعم زميلاً له من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين يعانون من اضطراب طيف التوحد حتى وإن كان الجميع يتعلمون المفهوم نفسه .
حرف ” الجيم” نموذجاً:
أولاً: الطالب الطبيعي (سليم النمو).
نظراً لقدرته على استيعاب التوجيهات اللفظية والرمزية دون الحاجة إلى أدوات حسية مكثفة، يقوم المعلم بنطق صوت الحرف بوضوح (ج)، ويطلب من الطالب ترديده مع ربطه بكلمة مألوفة مثل ” جمل”، ثم يكتب الحرف على السبورة بخطوات بسيطة (خط أفقي ثم نصف دائرة وداخلها نقطة)، ويطلب منه محاكاته مباشرة في الكراسة، ويعتمد التعزيز هنا على التكرار المباشر والقراءة الجهرية.
ثانياً: طالب صعوبات التعلم (القراءة والكتابة).
والذي يواجه صعوبات تعلم محددة عسر القراءة “الديسلكسيا” فإن النجاح يكمن في النهج متعدد الحواس للتغلب على فجوة الربط بين شكل الحرف وصوته ورسمه ، فهذا الطالب لا يستوعب الحرف بمجرد النظر إليه على السبورة الصامتة، بل يحتاج إلى لمسه ورؤيته مجسداً مع سماع رنينه؛ فبدلاً من إرغامه على كتابة الحرف (ج) بالورقة والقلم، يتيح له المعلم كتابة الحرف بإصبعه على رمال ناعمة أو تشكيله بقطع الصلصال الملونة مع نطق صوته بوضوح ليرتبط الشكل بالحركة والصوت ، كذلك يستخدم المعلم الترميز اللوني البصري، فيرسم بطاقة ملونة لحرف (ج) مع تلوين نقطته بلون مختلف ولافت يسهّل انتباه الطالب البصري ليتذكره عند الكتابة دون الخلط بينه وبين حرفي (ح، خ).
ثالثاً: طالب الاحتياجات الخاصة (طيف التوحد).
على الجانب الآخر، يحتاج من يعاني من التوحد بيئة تعليمية تحكمها الهيكلية والتسلسل الواضح والروتين المريح الخالي من التشتيت السمعي والبصري، فالتغيرات المفاجئة أو التوجيهات اللفظية المركبة والمطولة قد تسبب له تشتتاً أو قلقاً يمنعه من الاستيعاب.
فهنا عند تعلم حرف (ج) كتابة ونطقاً لا يطلب المعلم منه رسم الحرف في الرمل بشكل حر ومفتوح فقد يسبب له الارتباك، بل يقدم له ورقة عمل مهيكلة ومقسمة ومحددة بخطوات مرئية:
صورة جمل ” كمثير بصري مألوف له”، يليها مجسم بارز للحرف يمرر إصبعه عليه وفق أسهم مرقمة لتوضيح مسار الكتابة، ثم إطار محدد يكتب داخله، يرافق ذلك نطق المعلم لصوت الحرف بنبرة هادئة ومحددة أثناء تتبعه دون إطالة لفظية، بهذا التحديد الدقيق مع تجنب التوجيهات اللفظية الطويلة يمنحه قدرة على الإنجاز والاعتماد على الذات.
إن قدرة المعلم على تقديم الحرف الواحد بثلاثة أساليب متمايزة تتناسب مع طبيعة كل فئة هي الفارق الحقيقي في نجاح العملية التعليمية التي لا تقدم الدرس بالطريقة نفسها للجميع، فالتمايز ليس مجرد إستراتيجيات أكاديمية، بل هو رسالة حب وتقدير يوجهها المعلم لطلابه حين يتفهم الفروق الجوهرية بين الطالب السليم وصاحب الصعوبات وذي الاحتياجات، فإنه لا يسهل عملية التعلم فحسب، بل يمنح هؤلاء جميعاً تذكرة عبور آمنة نحو مستقبل يثقون فيه بقدراتهم الخاصة ويشعرون فيه بأنهم مقدرون ومفهومون، فالمعلم بقلبه الواحد وبقدراته المتعددة يصنع الفارق.



