أهم الأخباراستطلاع

مرّ عطره…ولم يمرّ … بقلم سلوى معروف

البارحة…مساءً…في إحدى مقاهي المدينة…أجلس مع صديقة نستدفئ بكوبٍ من الشاي…

على طاولةٍ صغيرة…رُكِنَتْ بأناقةٍ بجانب الزجاج…

نتبادل أطراف حديث نساء…مع كثيرٍ من الملل…

ينتابني شعور من الكآبة لحظات…وتتعالى ضحكاتنا لحظات أخرى…خاطفة…كثمالة في غير موعدها…نحتسيها على عجل…

يتوقف الكلام حيناً… فتتلصّص نظراتنا هنا وهناك…نبدي إعجابنا ببعض اللقطات…وتسبقنا السخريّة على بعض مظاهر الأنوثة الملوّنة…مزخرفة بخطوط عصر مرتخي المعايير..

ويبهرنا سحر بعض الجميلات…جمال دون تكلف…دون مناسبات…

تنتقل أعيننا لتقييم الذكورة…المشرئبة هنا وهناك…

رجالاً…تستحق التأمل…وتستهويك تفاصيل أناقتهم وحضورهم…

ورجالاً…ما عرفوا من الرجولة…سوى الذكورة…وتعطيك يقيناً…بأن حتى تلك الذكورة الصارخة…مبرمجة التوقيت والتصعيد…

فيرتفع منسوب الملل لديّ…مع كثيرٍ من الغضب الملتحف بالإشمئزاز…

أكمل احتساء كوبي…إيماناً بأن الصمت…في كثيرٍ من المواقع والمواقف…يكون ملاذ الصبر الأخير…

تنتقل نظراتي خلف الزجاج…تتأمل المارة…

أحياناً الخطوات تضفي…أنوثة أو رجولة…تثير فيك جماليّة…وتخدش قناع برودة ضجر الحياء…

ربما…نعم ربما…أتعثر بوجوه تؤنس الساعات الأخيرة من يومي…فأنام مع بؤجة رضا…تطمح بأحلام خيال …واقعي…من إبداع رأس تعب نسج خيال المحال…

أحياناً يشطح بي شعور النفور…والسّخط…

فأقول لنفسي…رأسٌ بفكر…أو رأسٌ برداء فكر…رأسٌ بإبداع أو رأسٌ بخلايا ودماء…كلٌ سواء…

رؤوس عبرتها يد الماضي…فتركت حباً للعطاء…أو حفرت الغباء …بمخالب عزاء…تستحق الرثاء…كلٌ سواء…

وفي وسط تلك الوحشة …مرّ…هو ومعطفه الأسود…

ربما لم يكن هو…

ربما لم يكن معطفه…

إلاّ أنّي متأكدة…أن شموخه…مرّ…خلف الزجاج…

ذاك الشموخ المستهتر بالزمن…يمتطي مزاجه…بجرأة جواد أشوس في معظم الأوقات…ومتكاسل بليد…في أوقات أخرى كثيرة…

مرّ بعطره الذي استوقف انسيابه ذاك الزجاج…واختلجني من خلال الذاكرة…

عطراً ذكوريّ الملامح…رجوليّ البصمات…

يحفر رسماً جميلاً أينما اتجه…

عطراً ذا طين يشبه طين أول الخلق…صُنع خالقٍ عظيمٍ…قبل أن تبدأ يد الانحراف بتلويثه…

عطراً يستفزّ ذاكرتي كلّما لامس أنفي…وكلّما ألقى التحيّة على مسائي…

عطراً بأسماء مختلفة…وبلدان مختلفة…وماركات فاخرة…وزجاجات مترفة…نُحتت من المؤكّد بيد أنثى عذراء…

عذراء ما لامس أنوثتها…من رجولتهم…سوى ذاك العطر…

ذاك العطر الذي تنسجه بأحلامها وتنهّداتها…وجنونها…وذاكرة متْعَبة…

عذراء… تغزل هوسها بالرّجل الوسيم…كنفاً…

كنفاً…بِلَبِناتِ عطر…لتُسكِن مستقبلها…وتهاجر دفتر يومياتها…إليه…

عذراء …أغار منها…كلما عبرني عطر رجل أغرّ…

وأحقد عليها…كلما نسيتُ عطر حبيبي…

عذراء…أغضب منها…كلّما لمست يدي…قارورة شِعرٍ…مزجَت أبياتها…بأنفاسها…

عذراء…بدأت حرفتها منذ الصين القديمة…وفراعنة المصريين…

عذراء…عصرت ورود الفلّ والياسمين والأوركيد والسوسن…أريجاً للرجل…وحسرةً للمرأة…

عذراء…استخرجت من شقائق النعمان…والبَنان… والأقحوان…عبيراً يجول أيام النساء …دون استئذان…

وتركت الزنبق والجوري شذًى يجتاح بؤس ليالي الأرامل…والعفيفات المنسيات خلف الستائر…

هي عذراء…أكرهها…

أكره أنوثتها…حسداً وغيرة…

وأجلّ إبداعها…لعرفاني بالجمال والرقيّ…

لا …لا …أنا أعشقها…

فهي من استطاعت أن تحول ذاك الجوخ الأسود…

حبيباً…يردّ روحي…إليّ…

 

سلوى معروف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى