أهم الأخبارثقافة و فن

شفاهٌ تخرسُ الظلام …بقلم الشاعرة خولة سامي سليقة

 

الأحلام حقّ مشروع للجميع، كفلهُ النوم العميق، ليُخرج لنا الكثيرَ من الصور طافحةً  حياة و حركة، و أحاديث و ضحكات أو دموع، تسكن رؤوسنا حتى لا تنفكّ تطرق الليل و تلاحق النهار، فكيف إن كان حلم أنثى، بشاعرٍ يكتبها قصيدةً تحت ضوء القمر، لوحة خرافية السحر  تمنعُ عنه بللاً آخر غير حبّها؟!

هي الأنثى التي رسمت ملامحها، الكاتبة نورة المعطاني في نصوصها” شفاه تخرسُ الظلام”، بدءاً من العنوان تدخل دائرة الليل. الليلُ ليس زماناً عندها فقط، إنه المكان المسيطر بعتمته على بوح أنثاها- إلا قلة قليلة من النصوص- تقف أمام تدرج مشاعرها، التي تجاهد في ترتيبها على شرفة داكنة، مرّة يلوحُ الضوء منها عبر ذكرى الحبيب و مرة يزداد الظلام فيها غرقاً.

و هذا لما التبس من واقع الحنين في أذهاننا و أذهان المحبين، من أن الليل وحده الذي يفرز مشاعر الذكرى بسكونه، بحذرهِ، بتخفّيه.

و يا له ليلاً في ثنايا بوحها، يحيي الصور، يؤجج الحزن و يعيد خلط الأوراق من جديد!  أنثاها تعيش عالماً، ستون بالمئة منه يقتسمه: الحزن، الغياب، الانتظار، الشّوق، اللوعة، الضياع، القلق على المحبوب، اليأس. لكنّ الأربعين بالمئة المتبقية هي عنادٌ، ثورة، كبرياءٌ جُبلَ على الأنفة و لا يرضى بغيرها بديلاً، يشتعلٌ الرفضُ عندها واضحاً بجلاء في مواضع  عدة، و يخفى قليلاً في مواضع أخرى. و ها هي ذي في الصفحة الخامسة و العشرين تطمئنه:

” كلما نفيتني بعيداً … أقيم قسراً في داخلك!”

و في الصفحة التاسعة و العشرين تتحداه بأفضل ما يعتدّ به، السطوة:

” تقتنصني فكرة شاردةً و لكن…

لن تستطيع صياغتي واقعاً.”

أنثى تحبّ، و لكن على طريقتها، تدقّ بصماتِها في أوتاد القلب، شاء من شاء و أبى من أبى، كقولها: “أنا لا أبحث عنك … أنا أتسرّب بين فراغات البعد/ و في نهاية النص:” أكتفي بالتسرّب  إلى جانبك الأيسر”. حتى الكتابة و الحروف كلها تشهدُ على صلابة أصابعها:” أحاول جاهدة ثني الحروفِ ليذعن القلم قسراً.” واثقةٌ من سحرها و فتنتها، عازمةٌ على امتلاك نبضه:

و لأن الكتابة دائماً الطعمُ الذي ألقيه إليكَ

سمّمت أطرافَ العباراتِ

لعلّ إحداها تتسرّب في نبضكَ

فترديكَ عليّ مفتوناً.”

و فوق هذا و ذاك شقية، لا يعرفُ المحبوب متى تسرق الحنين منه خلسةً، و متى تسرقُ قلبه:

” أنا تلك الطفلة التي تعوّدت أن تسرق الحنين من جيبكَ

لتعود في كلّ مرة و تبحث عنه.”

و قد تضيق به ذرعاً مهددة: ” خذ أجمل هباتك… فالأوزار لا تورّث!”

مع طوفان جموحها تذوق اللوعة بصمت:” في كلّ المواسم يا سيدي تتفنّن في قطفي.” و كل  جميل يقودها في ربوع الذاكرة إليه:” مازالتْ أنفاسكَ عالقة بخصلاتِ شعري.. تلفح عنقي.”

لأن الحبّ في معادلاتها الصعبة نظير الألم:” يبارك العشاقَ لمصارع الهوى.” و بكلّ ما فيه من عذابات، يشكّل قوامها الانتظار المرّ، تظلّ تنتظر:

” مقاعد الانتظار ذاكرةٌ صمّاء .. و لسانٌ معلّقٌ في تذاكر المغادرين.”

الأنثى بين كلمات نورة المعطاني طبيعةٌ بألف لونٍ و لونٍ، خلقها اللهُ ربيعاً يبسم و خريفاً  يعصفُ، و ثلوجاً توجعُ و شمساً تحرقُ كل طريق تأخذ الحبّ بعيداً. إنها الأنثى التي تعيش دور  أمومة تمازجُ علاقتها بالمحبوب، فتخشى عليه، تخشى ضياعهُ، و أكثر ما تخشاه ” اختناق  اللحظات في غيابه”، تقول:

حين اقترفتَ إثم الغيابِ

لم تعد تتسعُ المدنُ لأنفاس العائدين.”

لأنثاها شفتان نسجتهما القصائدُ، و رغم ارتجافهما تحاولان بكل ما أوتيتا من أملٍ، أن تخرسَا  الظلام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى