
العولمة الرقمية .. صناعة جديدة للقيم الإنسانية.. بقلم: رباب عبيد
العولمة الرقمية .. صناعة جديدة للقيم الإنسانية
بقلم: رباب عبيد
كاتبة صحفية – باحثة في الشأن الإنساني والثقافي والحقوقي
الحلقة (3)
ومن حيث انتهينا في المقال السابق ” حول ضرورة معرفة تأثير الظروف السياسية والاقتصادية على الافراد في المجتمعات وانتاجهم الفكري والعلمي، ستتأكد معاً وخلال سلسلة هذه المقالات ” أن جدك الثالث أو الرابع كان يعيش مع بداية انطلاق ” العولمة ” نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، وقد يكون عرفها أو قد لا يكون سمع بها ، لكن ” عرفتها الأجيال تباعاً فأثرت في النظريات والرؤى الفكرية والاجتماعية، وقامت بصياغة جديدة لمفهوم القيم الأصيلة بين أبناء الاسرة الواحدة والمجتمعات الإنسانية، بل وأنشأت الثقافات التي هي مزيج من العادات والأعراف والسلوكيات التي تشكل الحضارة الإنسانية في المجتمعات البشرية سواء اتفقنا أو اختلفنا مع تلك الموروثات الاجتماعية والثقافية .
يقول “نورمان جيفان “عن العولمة أنها ” تشير إلى مجموعة شاملة من العمليات الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية، ويوجد عند أساسها الاقتصادي تدويل التمويل والإنتاج والتجارة والاتصالات الذي تقوده أنشطة الشركات العابرة للأوطان، واندماج أسواق رأس المال والنقود وتضافر تقنيات الكومبيوتر والاتصالات السلكية واللاسلكية”
وسواء اتفقت معي في الطرح أو لا فأن ” العولمة كعولمة بالمفهوم العام لها ما لها وعليها ما عليها قبل العصر الرقمي وفي حياة اجدادنا الذين تأثروا برياحها التي هبت عليهم من مغارب الأرض وأثرت علينا في المشرق العربي تحديداً على ” الهوية الثقافية والإنسانية ” ومع انطلاقتها في أواخر القرن التاسع عشر عرفت انها ظاهرة اجتماعية وثقافية مكتسبة ، أوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم ، سواء آمنت أم لم تؤمن بأن الأجيال توّرث الأجيال فكرة الحفاظ على الموروث من عدمه ، الأ ان النمو العقلي عند الانسان يتأثر بمحيطه الأسري والاجتماعي والثقافي والظروف الاقتصادية والسياسية ، فأنها التغيرات السوسيولوجية ” ياسادة ” (أو ما تعرف بالتغيرات الاجتماعية) أي التحولات المستمرة التي تطرأ على هيكل المجتمع، وتشمل أنظمة العلاقات، والقيم، والعادات، والمؤسسات الاقتصادية والسياسية، ومن أبرزها “طبيعة التغير ” قد يكون تدريجياً وبطيئاً أو سريعاً (مثل التحولات الناتجة عن الثورات التقنية)، ويكون إما بناءً نحو التقدم أو سلبياً نحو التراجع ( بتعريف الدراسات الاجتماعية الحديثة ).
وحتى نتعرّف جميعا على آثار “العولمة” التي عاشها الجد الثالث أو الرابع للجنس البشري الحالي، علينا أن تتطلع على المنطقة العربية واحوالها آنذاك، وذلك من نافذة عصرنا الحالي عام 2026، وأسباب التحولات الجذرية التي شهدتها المنطقة العربية من حكم العثمانيين والذي انتهت رسمياً في 3مارس 1924، وهو التاريخ الذي ألغى فيه البرلمان التركي “الخلافة” ونفى آخر الخلفاء.
وقبل ذلك، أُسقطت السلطة السياسية بنهاية السلطنة في 1نوفمبر 1922 وإعلان قيام الجمهورية التركية، لتتحول المنطقة من حكم ” الانتداب – الاستعمار الأوروبي ” على أثره شهدت المنطقة حركات التحرر ومقاومة الاستعمار العسكري الأوروبي فرنسا وبريطانيا الذي كانتا أساساً في نقل ” العولمة ” الى الوطن العربي وبداية التغيير لكل ما ذكر في السطور السابقة.
لقد أفرزت الحرب العالمية الأولى جيلاً صنّف على أنه ” الجيل الأعظم “وأتت التسمية لموقعه بين جيلين كانوا لهما آثراً كبيراً على حياة الشعوب في العالم، بل خلق وجودهم حالة من التناقض بين طبيعة الجيل والمتغيرات التي حدثت وكانت أدوارهم فخرّ لدولهم في العالمية الثانية.
وصف الكاتب الأمريكي “بروكاو” في كتابه “الأفراد الأمريكيين” من هذا الجيل الذين بلغوا سن الرشد مابين عام (1901-1927) خلال فترة الكساد الكبير واستمروا في القتال في الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى أولئك الذين ساهموا في المجهود الحربي على الجبهة الداخلية، كما أطلق عليهما المؤلفان (ويليام شتراوس ونيل هاو) على هذا الجيل اسم جيل (جي آي) في كتابهما الذي صدر عام 1991 بعنوان أجيال: تاريخ مستقبل أمريكا الأحرف الأولى (جي آي) تشير إلى الجنود الأمريكيين في الحرب العالمية الثانية.
أن هؤلاء الرجال والنساء قاتلوا ليس من أجل الشهرة أو الاعتراف، بل لأنه كان «الشيء الصحيح الذي ينبغي القيام به»، ويشار إلى هذه المجموعة أيضًا بجيل الحرب العالمية الثانية، نعم لم يكتب ” بركاو” عن هذا عبثاً بل بالفعل لقد شهدت أوروبا في تلك الحقبة الزمانية دماراً غير مسبوق مرحلة اضطراب وتحول في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى (1914-1919) خرجت الدول منهكة اقتصاديًا، وواجهت البطالة والتضخم والديون، بينما شهد المجتمع تغيرات كبيرة في دور المرأة والبنية السكانية وصعود التوترات السياسية، وفي الوقت نفسه ظهرت حركات فنية وفكرية جديدة وعرفت العلوم بعض التقدم رغم صعوبات الإعمار ، مرحلة اضطراب وتحول في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى من الدمار الى الاعمار ، ظهرت في الولايات المتحدة، حينها تشكّلت ملامح مرحلة المراهقة لدى هذا الجيل بين ازدهار العشرينات والتحولات الثقافية السريعة، ثم صدمة الكساد الكبير عام 1929.
عاش المراهقون آنذاك تجربة مزدوجة: انفتاح على الحداثة والتقنيات الجديدة مثل الراديو والسيارات، مقابل تزايد الفوارق الاقتصادية وعدم الاستقرار الاجتماعي، ورغم الصعوبات، ازدهرت الثقافة الشعبية بقوة؛ فانتشرت موسيقى الجاز والسوينغ، وبرزت السينما الكلاسيكية في هوليوود بأفلامها المتنوعة، كما جذبت القصص المصوّرة والشخصيات الخارقة اهتمام الشباب.
وأسهم الراديو في تشكيل وعيهم، إذ أصبح وسيلة رئيسية لنقل الأخبار وخطابات القادة، ما عزز ارتباطهم بالشأن العام وصاغ تجربة مراهقة فريدة تجمع بين الطموح والقلق من المستقبل، بدأت تقنية الراديو بثها التجريبي أواخر القرن التاسع عشر وحقق “غولييمو ماركوني ” البث الأول بنقل لاسلكي عملي في 1896، بينما بدأ البث الإذاعي المنظم والمنتظم في العقدين الأولين من القرن العشرين وتوسّع انتشار المحطات في عشرينيات القرن العشرين في الغرب.
أما وسائل النقل “السيارات” فقد اختُرعت نماذج مبكرة تعمل بالبخار في القرون السابقة، عرفت السيارة الحديثة ذات محرك الاحتراق الداخلي التي نسبت إلى “كارل بنز “أواخر القرن التاسع عشر، وبدأ الإنتاج المتسلسل والانتشار الجماعي فعلياً مع نموذج فورد موديل ت (1914) مما أدّى إلى انتشار واسع للسيارات في الغرب خلال عقود أوائل القرن العشرين.
شهدت المنطقة العربية بين 1901 و1927، مرحلةَ تحوّل عميق بين أواخر العهد العثماني وبدايات تشكيل الدولة الحديثة، وهي حقبة اتسمت بالاضطراب السياسي، والضغط الاقتصادي، وتبدّل البنية الثقافية والاجتماعية.
ثقافياً: ففي المدن الكبرى بدأت تتسع دائرة التعليم والصحافة والوعي الإصلاحي، بينما بقيت قطاعات واسعة من الريف والطبقات الشعبية تعاني الفقر وضعف الخدمات وتفاوت الفرص.
برزت ملامح نهضة عربية جديدة أخذت تتبلور عبر الصحف والمجلات والمنتديات والمدارس الحديثة، مع تنامي النقاش حول الهوية واللغة والإصلاح والمرأة والدستور، كما ظهرت في هذه الفترة نخب فكرية وأدبية أكثر حضورًا في القاهرة وبيروت ودمشق وبغداد، وأسهمت في نقل المجتمع العربي من المجال التقليدي إلى فضاء أوسع من التفاعل مع الحداثة، تُعد صحيفة الوقائع المصرية أول صحيفة تصدر باللغة العربية في الوطن العربي، حيث أُسست في عهد الوالي محمد علي باشا وصدر عددها الأول في 3ديسمبر/كانون الأول عام 1828، صحيفة أم القرى أُسست عام 1924 لتكون لسان حال الحكومة في المملكة العربية السعودية، “جريدة الحق يعلو صدرت في معان كأول صحيفة في الأردن عام 1920، “صحيفة الإيمان” تأسست في اليمن عام 1926 ” صحيفة الكويت”(صدرت في الكويت عام 1928.
أما اقتصاديًا، فقد ظلّ المشهد هشًا ومختلّ التوازن؛ إذ أثّرت الحرب العالمية الأولى وما تلاها من أزمات في الإنتاج والتجارة والأسعار والمعيشة، كما زاد النفوذ الأجنبي والانتدابات من تعقيد الوضع الاقتصادي في عدد من الأقطار.
وهكذا تبدو هذه الحقبة، في جوهرها، مرحلةَ تشكّلٍ صعبةٍ لكنها تأسيسية، ومهّدت لولادة وعي عربي حديث أكثر وضوحًا وتنظيمًا.
اجتماعياً: بدأت القيّم تأخذ شكلاً أخر فمن الريف الى المدينة ومن المجتمعات المحافظة الى التعليم ومن الأقاليم والاقضية الى دول مدنية ومن العائلة الممتدة الى الهجرة العائلية بين الأقطار العربية والى الأقطار الغربية ومن اقتصار دور المرأة – (ربة منزل ) الى التعليم .
وأخيراً: وبعد هذا الاستعراض الذي يعد مدخلاً للربط بين مراحل ” العولمة الحديثة بهدف “وصولنا الى العولمة الرقمية وصياغتها الجديدة للقيم الإنسانية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، سننتقل مع (العولمة الأم) عبر هذه المحطات التي نقلت المجتمعات البشرية من محطات الأرض الى محطات الفضاء ومن العقل البشري المخترع الى الكمبيوتر وبرامج الذكاء الاصطناعي المتحدث الينا بثقة وتنافسية مع المختصين والمتودد الينا بضمير انساني.
” سيداتي وسادتي ” انها صياغة جديدة للقيم الإنسانية .. نشهدها اليوم ونرحب بها ونصادق عليها ” .




