أهم الأخبارثقافة و فن

اجترار… للشاعرة خولة سامي سليقة

 

أطفئوا التلفاز الزفت!

يرعدُ صوتها في جنبات الصالة شبه الفارغة من الأثاث، لولا كنبة كبيرة و أخرى أصغر منها  عافا تكرار التّنجيد ليظلا بهيئة مقبولة، يعدو الصغار صوب غرفتهم مندسين تحت غطاء كبير ثقيل من بقايا الأقمشة القديمة قامت بطحنها مستثمرة إياها في تهيئة لحافين كبيرين لأطفالها،

يشكو أطفالها ثقلهما تبسم لهم مبررّة بأن الأطفال عادة يقذفون الأغطية في الليل عن أجسادهم لو كانت خفيفة ثم يصابون بالزكام و السعال أو الحمى الشديدة، الثقلُ مسمارٌ يثبّت الغطاء كما وتد الخيمة .

زوجها المترقب خلف الطاولة الخشبية المهترئة يناور نفسه بين التحدث إليها أو كتمان رغبته في متابعة نشرة الأخبار ،يمتلك بعض الجرأة لسؤالها عن سبب إغلاقها التلفاز ،هو الذي لا يمتلك الوقت لمتابعة آخر الأخبار إلا عبر التلفاز ، هاتفه من جيل شبه منقرض لا خدمات فيه أو رفاهية، يستخدمه لقول آلو فقط ،هو أهم ما في الأمر حسب رأي زوجته.

تعرفين أني أودّ متابعة نشرة الأخبار، فلم أأ ؟؟

لم تمنحه فرصة إتمام الجملة حتى انتفضت صوبه عاصفة هوجاء .

– أعدْ ما قلت يا قرّة عيني، لا يمكنك النوم حتى تشاهد مذيعتك الجميلة رفيقة أحلامك، ها؟ أجبني.

سئمت ادعاءاتك هذي، لا ترى نفسك كيف توشك على ابتلاعها كلّما حركت شفتيها، تضيع نظراتك بين صدرها و خصرها إن صادف و وقفت أثناء قراءة خبر ، يظل يزحف بك الكرسيّ قرابة التلفاز بصورة مخزية أمامنا ، أخشى أن تخرج يوماً من  الصالة دون أن تشعر ، مللتك حقّاً ، أنصحك أن تتبعَ جراءك حيث ينامون لننهي المهزلة على خير، سأجلس هنا وحدي!

تتنفس الصعداء خلف مغادرته إلى نوم إجباريّ تاركاً ملفاته على طاولة كسيحة، تأكل نفسها محمّلة إيّاه الجزء الأعظم مما حلّ بها ،هي التي غدت زوجة له و لمّا تكمل التاسعة عشرة من عمرها ،أنجبت خمسة أبناء له احترقت حرقاً ،من نفاسٍ إلى رضاعةٍ إلى حملٍ ناهيك عن التربية المنهكة للأطفال في ظل ظروف معيشية صعبة، غسّالة عادية محركها يوقظ الأجداث، منطقة يعشش فيها الغبار لا تجرؤ على تعليق الثياب المغسولة خارجاً، تجففها داخل المنزل تضطر بعدها إلى كيّها مبعدة عن أبنائها شبح المرض ، نسيت آخر مرة زارت فيها مركز تجميل أو قصّ للشعر ،أو الأظافر آه من الأظافر المكسورة المشبعة شقوقاً طولية ،علبة مكياجها اسم مضحك نسبة إلى ما تحتويه من أقلام كحل كسرتها ابنتها الصغيرة ، أمّا أقلام طلاء الشفتين رسم بها

ابنُها لوحته على جدار المطبخ.

إيه عن أي جمال ستبحث ؟ تنوي منذ العيد الفائت شراء ثياب جديدة و يتم إرجاء المشروع إلى أجل غير مسمى ، تودّ التخلص من وزنها الزائد فلا تفلح بين أعباء المنزل و مشكلة مجالسة الأطفال إن هي خرجت للسير في الممشى الواقع على بعد شارعين من منزلها، عمدت إلى ةالامتناع عن الطعام حتى أوقعها الدوار طريحة الفراش تتحمل الغمز و اللمز من زوجها و والدته،

إذ لا يليق بأم لديها أسرة بل كومة واجبات ،أن تكون أنانية لتفكر بنفسها فقط ،متناسية أن أفواهاً مفتوحة حولها تنتظر، ثيابا تحتاج الغسيل و الكيّ و غير ذلك من أولويات المرأة التي تحترم ذاتها

– وفق نظرياتهم –  لجأت إلى تغيير نوعية الطعام لاقت مشكلة الإرهاق جراء تعدد الأكلات لتناسبها و تناسب أفراد أسرة لا علاقة لهم بنزول وزنها أو صعوده، وجدت نفسها تنهي كل ليلة بعشاء يقتل الرجال الأشداء واضعة أكوام الخبز أمامها تأكل دون شعور و تبكي، تحسّ بعد المجزرة أنها بقرة، يأكلها عذاب الضمير، تسكته ببعض الشتائم لزوجها و أمّه، لحياتها بل حظها العاثر لينام و تنام قربه قتيلةً إلى أن يوقظها شجار الصغار صباحاً أمام التلفاز، تنهرهم من فراشها بأعلى صوتها بين الغفوة و أختها :

أطفئوا التلفاز الزفت!

خولة سامي سليقة

من نصوص كتاب” امنحني تسع كلمات”

من نصوص كتاب” امنحني تسع كلمات”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى